تحولات استراتيجية على خريطة السياسة الدولية عودة القيصر (روسيا) - مؤسسة دار إبن حبتور للعلوم و الثقافة و التوثيق الخيرية

تحولات استراتيجية على خريطة السياسة الدولية عودة القيصر (روسيا)

 

تحولات استراتيجية على خريطة السياسة الدولية عودة القيصر روسيا    (ملحق من مجلة السياسة الدولية)

للكاتب : سامح راشد



- بعيداً عن حالة الجدل، يمكن القول إن روسيا الفيدرالية تمكنت بالفعل من إحراز نجاحات على الصعد كافة، داخلياً وخارجياً


- رؤية بوتين نحو تمكين سلطة الدولة على المؤسسات الاقتصادية الرئيسية وخاصة تلك العاملة في مجالات النفط والغاز، كانت نقطة الانطلاق الأولى لاستعادة الاقتصاد الروسي نموه وتطوره


- شهد العام المنصرم (2019) تنظيم أول قمة روسية أفريقية في العاصمة الروسية في أكتوبر 2019 وكان من أهم مخرجاتها تدشين المنتدى الاقتصادي الروسي الأفريقي كمنصة للحوار المباشر بين الطرفين، فضلا عن توقيع أكثر من 30 عقداً ومذكرة تعاون مع دول القارة الأفريقية.


-  ثمة صعوبات كثيرة تواجهها روسيا في ظل سعيها للخروج من أزمتها الاقتصادية بصورة نهائية، ليمكنها ذلك من استكمال توسعاتها الدولية والإقليمية، وهو ما يتطلب أن تعيد روسيا النظر في بعض ملفات سياستها الخارجية التي تلقي بأعبائها على اقتصادها الوطني


- حرصت روسيا على التطوير المستمر لقدراتها العسكرية ليصبح الجيش الروسي ثاني أقوى جيش في العالم، وإن احتل المرتبة الأولى كأضخم قوة دبابات في العالم، إضافة إلى امتلاكه 7 آلاف قنبلة نووية و4 آلاف طائرة حربية


- شهد العام المنصرم (2019) سعياً روسياً لتحديث بنيتها التحتية وقدراتها العسكرية خاصة في المناطق الحدودية


- تعددية المقومات أو المحددات الداخلية مكنت الدولة الروسية من استعادة دورها إقليمياً ودولياً، وهي مقومات رغم أهميتها إلا أنها ليست ضمانات ثابتة أو أوراق مضمونة في يد الدولة الروسية ترتكن إلى عملها بشكل آلي


- التحولات العالمية القادمة التي تشهد الصعود الصيني المرتقب يربك الكثير من الحسابات الروسية

باكو: تفكك وانهيار ثم عودة واستعادة للدور... ذلك هو ملخص المعادلة التي عاشتها روسيا الفيدرالية منذ بداية تسعينات القرن المنصرم وحتى اليوم، إذ إنه في الحقبة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وإعلان جمهورية روسيا الفيدرالية واستقلال دول الكومنولث الواحدة تلو الأخرى، واجهت الدولة الروسية تدهورا داخلياً (اقتصاديا، اجتماعيا، أمنيا... إلخ) وخارجياً (تقلص دوائر تحركات سياستها الخارجية، وتراجع مكانتها الدولية... إلخ)، حتى أطلق البعض على روسيا خلال العقد الأخير من القرن العشرين تحت رئاسة الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسن لقب «الرجل المريض».


ولكن لم يستمر الأمر طويلا، فمع وصول «فلاديمير بوتين» إلى السلطة في أبريل (نيسان) 2000. اعتمد استراتيجية تهدف إلى دعم سلطة الدولة المركزية، متبنيا في سبيل ذلك مجموعة من الإجراءات، منها: تشديد قبضة الدولة على المؤسسات الاقتصادية والسياسية في مواجهة بعض رجال الأعمال والسياسة الذين تمكنوا خلال الفترة السابقة من إدارة هذين الملفين وفقا لمصالحهم خاصة في مجال النفط والغاز، كما اتجه إلى تعيين حكام الأقاليم الروسية بدلاً من انتخابهم، وهو ما منحه الفرصة لاختيار من يعرفهم ويثق في قدراتهم للحد من الفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، ساعده ذلك على تقوية المركز في مواجهة الأطراف المكونة للاتحاد الفيدرالي من خلال إنهاء النزاعات الانفصالية لدى بعض الأقاليم تحت شعار «ضرورة الحفاظ على الدولة الروسية» والمثال الأبرز على ذلك تسويته المعضلة الشيشانية.


وقد منح نجاح «فلاديمير بوتين» في تسوية كثير من ملفاته الداخلية الشائكة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، الفرصة للبدء في استعادة دور دولته خارجيا من خلال لعب دور مهم في بعض الملفات والقضايا الإقليمية والدولية.


ومن ثم، يبرز تساؤل مهم حول مستقبل هذا الدور، فإذا كانت السياسة الخارجية الروسية في العهد السوفياتي قد استندت في تحركاتها إلى منطلقات آيديولوجية ومصالح القوى العظمى، فإن الأمر قد تغير مع التفكك والانهيار، حيث تحولت هذه المنطلقات إلى نزعة برغماتية سيطرت على التحركات الخارجية، فإلى أى مدى يمكن للسياسة الخارجية الروسية الاستمرار في هذا المنحى؟ بمعنى أكثر وضوحا، كيف يمكن فهم أو تفسير النشاط الروسي المتنامي دوليا وإقليميا؟ هل يرجع ذلك إلى النزعة البرغماتية كما رأت بعض الدراسات أن ثمة مقومات أو محددات داخلية وراء هذا النشاط؟ وإلى أى مدى تمثل هذه المحددات أو المقومات عوامل دافعة لاستمرار النشاط الروسي على الساحة الدولية؟


تجدر بنا الإشارة إلى حالة الجدل التي أُثيرت بين الخبراء والباحثين بشأن مستقبل دور روسيا الفيدرالية على الساحة الإقليمية والدولية، إذ إنه في الوقت الذي يرى فيه البعض أن ثمة عودة روسية إلى مسرح السياسة الدولية كقوة منافسة للولايات المتحدة الأميركية ومشاركة بفاعلية في إعادة تشكيل النظام الدولي على أساس من التوازن بأشكاله المختلفة وتعددية أقطابه، استناداً إلى أن روسيا الفيدرالية استطاعت في السنوات الأخيرة ترتيب أوضاعها الداخلية على المستويات كافة. على الجانب الآخر، يرى البعض أن ما حققته روسيا هو مجرد فقاعة مؤقتة، وأنها مهددة بالتفكك والانهيار لأسباب ديموغرافية واقتصادية وعسكرية وتقنية، بل إن ما حققته من نجاح اقتصادي هو نتاج للارتفاع المؤقت الذي شهدته سوق الطاقة خلال الأعوام الماضية، أي إن ما تحقق هو نجاح ظاهري لن يمكن موسكو من تجاوز أزماتها الداخلية البنيوية والاقتصادية والعسكرية.


ولكن، بعيدا عن حالة الجدل، يمكن القول إن روسيا الفيدرالية تمكنت بالفعل من إحراز نجاحات على الصعد كافة، داخليا وخارجيا، وهو ما يستوجب البحث عن الأسباب والعوامل الكامنة وراء هذه العودة الروسية، خاصة تلك المتعلقة بالداخل الروسي - دون إغفال دور العوامل الخارجية - وذلك انطلاقا من أن كثيرا من الدراسات أشارت إلى أن نجاح السياسة الخارجية الروسية شأنه شأن نجاح السياسة الخارجية لأي دولة، مرهون بمجموعة من العوامل الداخلية تشكلت خلال مرحلة ما بعد التفكك، تمثلت في عوامل القوة الثابتة الممثلة في الاقتصاد والقوة العسكرية والديموغرافية، إضافة إلى القوة الرابعة والتي يطلق عليها «غازي هارت» قوة المبادئ والمتجسدة في النظام القيمي.


لتحميل مجلة السياسة الدولية من (مكتبة دار بن حبتور) من هنـــــا


ليست هناك تعليقات