دراما المخابرات.. وقضايا الهوية الوطنية
كتاب : دراما المخابرات.. وقضايا الهوية الوطنية
تأليف : د. دعاء احمد البناء
الهوية بوصفها مفهومًا له دلالته اللغوية واستخداماته الفلسفية والاجتماعية والنفسية والثقافية، قد استخدم في مجالات مختلفة للإشارة إلى الهوية الفردية، أو هوية الأنا، والهوية الجماعية، والهوية العرقية، والهوية الثقافية([1]). وموضوع الهوية من الموضوعات التي تثير الجدل والبحث، فهو موضوع مهم في حد ذاته فيما يتعلق بتوصيف الشعوب، والتمايز بينها وبين الأمم، والهوية هي في كلمتين: "أنا والغير" أو "نحن وهم"، وهى بأسلوب آخر "الحديث عن التمايز"، ماذا يميز البشر بعضهم عن بعض. ماذا يميز الشعوب أو الأمم؟ فالهوية هى حقيقة إدراكية، إذ هي إدراك ووعي، ماذا يعرف الناس عن أنفسهم وماذا يعرفون عن الغير؟([2]).
والحديث عن الهوية المصرية، بوصفها أحد محددات مفهوم الوطنية، يتطلب تحديد خمسة أبعاد هي: الهوية الوطنية، والهوية القومية، والهوية الأفريقية، والهوية الإسلامية، والهوية الدولية([3]).
ويركز هذا الكتاب على الهوية الوطنية التي هي "الذات كما تنشأ في إطار حضاري بعينة، مرتبط بموقع جغرافي محدد"([4]). والأساس العلمي للهوية الوطنية من حيث تكوينها هو تخليق منظومة الأنا أو الذات في سياق المجتمع المصري. وتتعدد أشكال الهوية وأحيانًا تمتزج هويتان أو أكثر. والهوية الوطنية لا تعتبر شيئًا منفصلاً عن الأشكال الآخرى للهوية، فهي تتشابك بطرق متنوعة، والطرق التي يتم من خلالها التشابك تكون في الأساس جغرافية، وعملية الهوية الوطنية هي تعريف من "نحن" من خلال التعريف بالآخر([5]). وتتعدد مؤشرات الهوية الوطنية، التي تتمثل في الانتماء، والبعد المعرفي، والنظرة للذات، والإحساس بالاختلاف، والحنين للوطن، والمضمون السياسي([6]).
وانطلاقًا من أن المضمون السياسي هو أحد مؤشرات الهوية الوطنية، فيتناول الكتاب الهوية الوطنية في الدراما السياسية المقدمة في السينما والتليفزيون، حيث إن الدراما هي فن الحياة وموضوعاتها وشخوصها مستمدة من الحياة، مجسدة لواقعها وقضاياها ومشكلاتها، ومعبرة عن حياة الإنسان بصفة عامة. وكما أن الدراما هي "فن الحياة "، فهي أيضاً من "فنون الإعلام"، وهي فن متكامل تجتمع فيه عديد من العناصر (سيناريو، وصوت، ومؤثرات صوتية، وإضاءة، وتصوير، وتمثيل، ومكساج، ومونتاج، وإخراج،... الخ) وهى من أكثر فنون وأشكال الرسالة الإعلامية فعالية وتأثيراً في الجمهور المستهدف([7]). ومن هنا، يمكن القول بأن الدراما وسيلة مهمة لتناول الهوية الوطنية وخصوصًا الدراما السياسية المقدمة في السينما والتليفزيون.
وربما لا يوجد مصطلح أكثر غموضًا والتباسًا ـ على الرغم مما يبدو عليه من وضوح ـ مثل مصطلح السينما السياسية، فتارة يبدو المصطلح فضفاضًا يحتمل احتواء كل تاريخ السينما؛ حيث إن كل فيلم هو فيلم سياسي بدرجة أو بأخرى، أو يضيق ليحصر نفسه في نطاق الأعمال التي تتناول قضايا سياسية مباشرة ومعاصرة، أو يتراوح بين هذا وذاك. وإذا كان معطف السينما السياسية فضفاضًا ويتسع لكل هذا؛ إلا أن التحديد الأقرب إلى الدقة يعني تلك السينما التي تتعامل مع الواقع السياسي المعاصر والمباشر، أو التي تتناول قضايا سياسية مباشرة ومعاصرة([8]).
إن السينما فن من الفنون الكبرى، ووسيلة لتقريب المشاعر بين الناس ووسيلة للتعبير عن المكان والزمان وتوفيق الأحداث والكشف عن ثقافة المجتمع وسيلة للتعبير الذاتي([9]). وتؤثر الأحداث السياسية الكبرى مثل الحروب والثورات في البلاد تأثيرا شاملا، والربط بين هذه الأحداث وتاريخ الدراما يتوقف على مدى تأثير تلك الأحداث في الفيلم والمسلسل([10]). وتتزايد خطورة الإعلام حينما يصبح شقًا مدافعًا عن الوطن في مواجهة الحملات الخارجية المغرضة حيث إنه بذلك يحافظ على الهوية الوطنية التي هي العصب الحساس لأي مجتمع([11]). وتوجد علاقة وثيقة بين كل من الدراما السياسية في السينما والتليفزيون. فعلى سبيل المثال في مصر كانت بداية دراما المخابرات، التي تمثل شكلاً من الدراما السياسية، في فيلم الصعود إلي الهاوية، الذي حقق نجاحًا جماهيريًا، أغرى صناع الدراما التليفزيونية بالاستجابة واستثمار استعداد المشاهد لاستقبال هذا النوع من المضمون في أفلام السينما، وكانت البداية في المسلسل التليفزيوني "دموع في عيون وقحة"([12]).
وقد أكد باحثون دور الإعلام في بناء أسطورة الوطنية وذلك عبر الدراما والرموز التي تبث من خلالها والمرتبطة بكيان الدولة([13]) فالقيم التي تعكسها مشاهدة المسلسلات الدرامية التليفزيونية تبني من خلالها أهداف وأغراض سياسية، فقيمة مثل التماسك/الوحدة لا توجد في مركز الذات/ المشاعر الإنسانية، وربما يجب أن تبث من خلال العمل الدرامي أكثر من ملاحظتها مباشرة([14])، فليس هناك إحساس بتاريخ الوطنية دون الشكل الروائي، وكذلك ليست هناك هويات بدون قصص تعطي الإحساس بالشكل والمكان والزمان للأشخاص الذين يعتنقون هذه الهوية([15]).
والدراما بكونها روائية نظرًا لأنها تتضمن أحداثاً وأفعالاً وأوضاعاً وشخصيات([16])، تسمح بفهم الماضي ولديها القوة لتشكل فهم الحاضر من خلال ربطه بالماضي؛ فالقصص والروايات التليفزيونية تعرض أحاديث الماضي، وبدونها يصبح التاريخ مجرداً والزمان والمكان أقل ألفة ووضوحا مما يجعل الأشخاص أقل ألفة بهما. وكما يقول "رولاند بارتيز"Roland Barths))، "الدراما مثل الحياة تماما"، فوفقا للبناء البشري "نحن نحكي ونخبر القصص"، ومن خلال الشكل الروائي الذي يتمثل في الدراما يمكن تقديم الوطنية والعالمية([17]).
وتمارس الدراما التليفزيونية بشكل خاص دوراً مهمًا في بناء الهوية الوطنية وذلك من خلال نشر الرموز الوطنية؛ وتقديم الأساطير الوطنية لخلق مشاعر التوحد التي ينتج عنها نشاط حماسي يساعد في نقل الفكرة السياسية للدولة/الأمة وربطها بالمشاعر، بما يتضمن معناها من أرض الوطن والعادات والتقاليد والناس وأنماطهم الثقافية والوطنية والمشاعر المصاحبة لرؤية الفرد بطلاً في وطنه.
ويضيف "لوبز" (Lopez- 1990) بأن الدراما التليفزيونية تخلق رؤية مرئية للوطنية تسمح للجمهور بأن يعيش إحساس الانتماء للدولة/الأمة وذلك اعتمادًا على نسيج من الأفكار والرموز الوطنية، حيث يتم بناء وحدة الدولة/الأمة عبر الشكل الروائي القصصي، وتمثل الصور والرموز والجذور معاني مشتركة "للدولة" و"الأممية"، وتمثيل الهوية الوطنية كبنية تأسيسية للتاريخ والخبرات المشتركة التي تروى، وربط المواطنين بالهوية الوطنية، فهي تدعم الارتباط بالوطن بعدد من الأساليب([18]).
وأصبحت الدراما تدعم الهوية الوطنية/القومية بطريقة مميزة عبر النماذج الوطنية والتعبيرات اللغوية والمشاعر الجماعية، فهى تعلم الناس كيف يكونون وطنيين وكيف يكون الإحساس بالوطن، فمن خلال تعرف الناس بذاتهم، يتحدد موقع الوطن بداخلهم، وتحديد ما هو الوطن من خلال الحداثة والعالمية والعولمة، مما أعاد بناء الإحساس بإنتاج الوطن من خلال الدور المميز للدراما([19]). وتثير الدراما عديداً من التساؤلات الخاصة بدراسة الهوية الوطنية مثل كيفية تشكيل الإحساس بالذات، والمحافظة عليها، والتعرف على الذات من خلال الاختلافات، والتمييز بين ما هو وطني وعالمي، ومعنى الرموز التي تتضمنها البنية الداخلية للدراما، وتوظيف الكلمات، أو ما يعرف بمحاولة تحريك الفعل عبر كلمات مثل "نحن" و "الوحدة"([20]) فتساؤل مثل من نحن؟ لا يغيب عن أبناء أي شعب يعكس اهتمامه بهويته ورغبته في وضوح سماته المميزة بين الأمم والشعوب الأخرى.
فالمصري – مثلا - اليوم ليس هو ابن فراعنة الأمس فحسب، لأن الشخصية المصرية أعيدت صياغتها بالكامل عقب الفتح العربي الإسلامي لمصر، كما أن هذه الشخصية لحقها التغير بفعل الاحتكاك الحضاري الواسع المدى الذي تم نتيجة تعرض مصر لعديد من الغزوات والأحداث([21]). والفن الصادق هو الذي ينبع من صميم المجتمع ليعكس آماله ويصور آلامه وينشر أحلامه([22]).
والدراما من أجل الجميع، وهي الأنسب في عصر المشاركة، والمشاركة بالنسبة للدراما، وهي المشاركة في المسئولية الاجتماعية والسياسية في ذات الوقت؛ فإذا قيل إن الإنسان مخلوق اجتماعي، وأنه مخلوق اتصالي لا يستطيع العيش إلا إذا اتصل بالآخرين، فالإنسان أيضا مخلوق سياسي كما يذكر ذلك الفيلسوف اليوناني "أرسطو" الذي يقول إن "التربية عليها أن تلعب دورا أساسيا في خلق ممارسات سياسية صحيحة، وقد عرف "أرسطو" الإنسان بأنه حيوان سياسي"([23]).
والفن سياسة والسياسة فن، ولا يمكن الفصل بينهما. فعند الدفاع عن كرامة الإنسان وحث المشاهد على التمسك بقيمه الأصلية، فهذه هي قمة السياسة، لأن أي غزو حضاري لا يمكن أن ينجح، إلا في ظل الجهل إذا تخلى الفن عن دوره في خلق المعدات وخطوط الدفاع اللازمة، وأيضا عندما يكون أخطر مشكلة تواجه الإنسان العربي حاليا هي الانتماء للأرض والأصالة والقيم، فالشباب اليوم يشعر بالاغتراب في بلده، فيهاجر، ليشعر باغتراب أكبر، وعندما يتصدى لمافيا الفكر الاستهلاكي من خلال التليفزيون الذي يدخل كل بيت فهذه هي قمة السياسة([24]).
وفي هذه الكتاب يتم التركيز على كيفية تناول الهوية الوطنية في الدراما السياسية (دراما المخابرات المأخوذة عن ملف المخابرات العامة المصرية) المقدمة في كل من السينما والتليفزيون في مصر.
لتحميل الكتاب من ( مكتبة دار بن حبتور ) من هنـــــا

أضف تعليق